فلما كان في صبيحة الخامس والعشرين من الشهر المذكور بعث إليّ متولي العمارة لأتبرك بمشاهدة الحجرة الشريفة بعد تنظيفها، وصار قائل يقول: ظهر القبر الشريف، وقائل يقول: لم يجدوا لجميع القبور الشريفة أثرا، فحثّني داعي الشوق وغلبة الوجد، واستحضرت ما وقع لبعض السلف من سؤاله لعائشة رضي الله عنها أن تريه القبور الشريفة، وغير ذلك مما سبق ومما سيأتي في باب الزيارة، ووصف السلف للقبور الشريفة، وذكرهم ذرع الحجرة الشريفة وكيفيتهما كما تقدم، فعزمت على الإقدام. [...] وسألت الله أن يمنحني حسن الأدب في ذلك المحل العظيم، ويلهمني ما يستحقه من الإجلال والتعظيم، وأن يرزقني منه القبول والرضى، والتجاوز عما سلف ومضى، فاستأذنت ودخلت من مؤخر الحجرة، ولم أتجاوز ذلك المحل، فشممت رائحة ما شممت في عمري رائحة أطيب منها، ثم سلمت بوجل وحياء، على أشرف الأنبياء، ثم على ضجيعيه خلاصة الأصفياء، ودعوت بما تيسر من الدعوات، وتشفعت بسيد أهل الأرض والسموات، واستنزلت به في بيته من الأزمات، واغتنمت هذه الفرصة في جميع الحالات. [...] متعت عيني من تلك الساحة بالنظر، لأتحف بوصفها المشتاقين، وأنشر من طيب أخبارها في المحبين، فتأملت الحجرة الشريفة فإذا هي أرض مستوية، وتناولت من ترابها بيدي فإذا فيه نداوة وحصباء كالحصباء المتقدم وصفها بين الجدارين يظهر عند فحصه بالأصابع، ولم أجد للقبور الشريفة أثرا، غير أن بأوسط الحجرة موضعا فيه ارتفاع يسير جدا، توهموا أنه القبر الشريف النبوي، فأخذوا من ترابه للتبرك فيما زعموا، ومنشأ ذلك الوهم جهل من كان هناك بأخبار الحجرة الشريفة، وذلك المحل ليس هو القبر النبوي قطعا، ولعله قبر عمر رضي الله عنه؛ لأن الشافعي رضي الله عنه قد نص على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما لحد له في جدار القبلة. قال الشافعي، فيما نقله عنه الأقشهري ردا على من قال إن النبي صلّى الله عليه وسلّم أدخل لقبره معترضا: هذا من فحش الكلام في الأخبار؛ لأن قبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان قريبا من الجدار، وكان اللحد تحت الجدار، فكيف توضع الجنازة على عرض القبر حتى سلّ معترضا؟ فدلّ على أن هذا النقل غير صحيح، انتهى. وروى ابن عساكر عن جابر رضي الله عنه قال: رشّ قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم وكان الذي رش الماء على قبره بلال بن رباح بقربة بدأ من قبل رأسه حتى انتهى إلى رجليه ثم ضرّجه بالماء إلى الجدار، لم يقدر على أن يدور من الجدار لأنهم جعلوا بين قبره وبين حائط القبلة نحوا من سوط. وقال ابن سعد في طبقاته: أخبرنا شريح بن النعمان عن هشيم قال: أخبرني رجل من قريش من أهل المدينة يقال له محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سقط حائط قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم في زمن عمر بن عبد العزيز- وهو يومئذ على المدينة في ولاية الوليد- فكنت في أول من نهض، فنظرت إلى قبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإذا ليس بينه وبين حائط عائشة رضي الله عنها إلا نحو من شبر، فعرفت أنهم لم يدخلوه من قبل القبلة، وعلى تقدير أن يكون ثمّ موضع بين القبر الشريف وبين جدار القبلة بحيث يتأتى إدخاله صلّى الله عليه وسلّم من ناحية القبلة فلا يكون ذلك الموضع محل القبر الشريف؛ لبعده من جدار القبلة جدا. وفيما رواه ابن زبالة ويحيى من خبر عبد الله بن محمد بن عقيل في قصة سقوط جدار الحجرة الشريفة المتقدم ذكره أن عمر بن عبد العزيز قال لمزاحم لما دخل: يا مزاحم كيف ترى قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم؟ قال: متطاطيا، قال: فكيف ترى قبر الرجلين؟ قال: مرتفعين، قال: أشهد أنه رسول الله. وقد قدمنا من وصف داخل الحجرة وذكر ذرعها ما فيه كفاية. وقد تأملت التفاوت بين أرض الحجرة الشريفة وبين أرض الفضاء الخارج بين الجدار الشامي الداخل وزاوية الجدار الخارج فوجدت أرض الحجرة أنزل منه بنحو ذراع ونصف، وتقدم أن أرض الفضاء المذكور أخفض مما حول الحجرة من المسجد بذراع وثلث، فيكون التفاوت بين داخل أرض الحجرة وأرض المسجد نحو ثلاثة أذرع.
"وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى"، المؤلف: علي بن عبد الله بن أحمد الحسني، نور الدين أبو الحسن السمهودي (ت ٩١١هـ). الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت. الطبعة: الأولى - ١٤١٩، الجزء الثاني، الصفحة ١٦٩-١٧١.