МЫСЛИ И НОВОСТИ

العمائم تيجان العرب

2026-08-19 16:44

الغبانة.. تاج الحجاز وعرين الشام


بقلم: د. مقصد المروزي

"العمائم تيجان العرب" (أخرجه الطبراني، والطحاوي، والبيهقي، وغيرهم) هكذا روي عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وجعل من العمامة رمزًا للعز والهوية. وإذا كانت التيجان تاج الملوك، فإن العمامة تاج الرجال الأحرار.


روى البخاري عن ابن عمر أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا"، فلما قالوا: "وفي نجدنا؟" أعادها ثلاثًا ثم قال: "هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان".


هذا الدعاء النبوي رسم خطًا مباركًا يمتد من الحجاز إلى الشام، خطّ النبوة والصحابة والتابعين. ومن مظاهر هذا الامتداد الثقافي الذي لا يزال حيًا حتى اليوم: الغبانة الحجازية، ذلك التاج الأصفر الذي يلف رأس الرجل الحر، فيحمل في طياته هويةً وتاريخًا وانتماءً.


الغبانة هي عمامة تراثية، تلفُّ على "الكفية البلدي" - وهي طاقية مجوفة تشبه القبة. وتتميز بلونها الأصفر، وأشهر أنواعها على الإطلاق هي "الغبانة الصفراء الحلبية"، المعروفة بـ "أم لوزة"، نسبة إلى نقش على شكل لوزة في أطرافها.


أما صناعتها، فتبدأ في مدينة حلب بسوريا، من الحرير الخام بلونه الطبيعي "البيج"، ثم يُصبغ وتُضاف إليه بعض المواد. وتُعد حلب المركز الأبرز لصناعة الغبانة، حيث يُشير الباحثون إلى أن "الغبانة صناعة عربية بحتة، تحديدًا من حلب"، وتُلف في الحجاز بطريقة خاصة تُعرف بـ"المكورة".

تذكر المصادر أن استخدام الغبانة يعود إلى الفترة الأموية والعباسية، كما تبنتها الدولة العثمانية بعد حكمها للحجاز.


لكن بعض الباحثين يرى أنها وافدة إلى الحجاز، ويشير المؤرخ والرحالة محمد لبيب البتنوني إلى أنها "عمامة هندية" ضمن أزياء مختلطة. ورغم هذا الجدل، يبقى أنها أصبحت، على مر القرون، جزءًا من الموروث الحجازي بامتياز، ورمزًا لطبقة التجار والوجهاء، بل إن بعض يروي أن الملائكة نزلت بها في غزوة بدر، وأن النبي والصحابة كانوا يلبسون العمائم الشامية.


في زمن طغت فيه العولمة وتشابهت الأزياء، أصبحت الغبانة أكثر من مجرد قطعة قماش. هي بيان هوية، وإعلان انتماء إلى الحجاز والشام، ذلك الإقليم الذي باركه النبي، صلى الله عليه وسلم.


وهي في جوهرها مواجهة ثقافية للزي النجدي الذي غلب عليه في العقود الأخيرة، الغطاء الأحمر (الشماغ والعقال). بينما حذّر النبي، صلى الله عليه وسلم، من فتن نجد، فإن الابتعاد عن هذا الزي وما يرتبط به من رموز يعدّ موافقاً لدعاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومتماشياً مع روح التمسك بزي الحجاز والشام. فالحجازي الذي يرتدي الغبانة الصفراء لا يلبس عمامة فحسب، بل يُحيي سنة العرب، ويُعلن تمسكه بسنة النبي، صلى الله عليه وسلم، في لبس العمامة، ويُذكّر العالم بأن الحجاز ليس مجرد بقعة جغرافية، بل هو مهبط الوحي وقبلة المسلمين، وأن الشام هي أرض الأنبياء ومحط الرحال.

لا تزال الغبانة حاضرة في وجدان الحجاز والشام، ويرتديها حتى اليوم كبار العلماء والمشايخ، تأسيًا بالسنة وحفاظًا على الهوية:

· الشيخ أحمد الحبال (توفي 1423 هـ (2002م) - الشيخ الدمشقي الزاهد، الذي عُرف بحبه للنبي، صلى الله عليه وسلم، وصلاته عليه.

· الشيخ عبد الرحمن الشاغوري (توفي 1425هـ (2004م) - الشيخ الزاهد الوارع، العلامة والأديب الشاعر.

هؤلاء وغيرهم من مشايخ السنة في الحجاز والشام، حملوا الغبانة الصفراء كرمز للتمسك بالهدي النبوي والهوية العربية الأصيلة، في مشهد يُذكّرنا بأن العمائم هي تيجان العرب، وأن من وضعها فقد وضع عزه.


الغبانة الحجازية ليست مجرد عمامة، بل هي تاج الحجاز وعرين الشام، تمتد جذورها في أعماق التاريخ، وتحمل في طياتها بركة دعاء النبي، صلى الله عليه وسلم، وصناعة حلب، وهوية الحجاز. هي رمز للانتماء إلى إقليم مبارك، وإحياء لسنة العرب، ومواجهة ثقافية لكل محاولات طمس الهوية.

فمن لبس الغبانة، فقد لبس تاج العرب، وأعلن انتماءه لخط النبوة، وأبقى ذكرى الحجاز والشام حية في قلوب الأجيال.