МЫСЛИ И НОВОСТИ

حقيقة النقاط في المصحف الشريف – رد على مزاعم المستشرقين

2022-07-13 22:36

في عصرنا الذي كثر فيه الطعن في الإسلام والقرآن، يروج بعض المستشرقين – ومنهم الأمريكي آرثر جيفري – لمزاعم تهدف إلى التشكيك في تاريخ الكتابة العربية وضبط المصاحف. وقد زعم جيفري في منتصف القرن العشرين أن النقاط والتشكيل في الحروف العربية لم تظهر إلا في القرن الرابع الهجري، مستنداً إلى كتاب "رسوم دار الخلافة" لهلال الصبي، الذي تحدث عن قواعد كتابة الرسائل الرسمية في العصر العباسي، وذكر أن الكاتب كان يترك الحركات والنقاط احتراماً للمرسَل إليه، دون أن يعني ذلك أن الناس كانوا يجهلون الكتابة.


الأدلة التاريخية والأثرية تثبت عكس ذلك


هذا الادعاء – رغم شهرته – لا يصمد أمام النصوص التاريخية والآثار المحفوظة:


1. أثر ابن عباس رضي الله عنهما

"عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن أوّل من وضع الحروف العربية ثلاثة رجال من بولان (وبولان قبيلة من طيء) نزلوا مدينة الأنبار، وهم مرامر ابن مرّة، وأسلم بن سدرة، وعامر بن جدرة، اجتمعوا فوضعوا حروفا مقطّعة وموصولة، ثم قاسوها على هجاء السّريانية؛ فأما مرامر فوضع الصّور، وأما أسلم ففصل ووصل، وأما عامر فوضع الإعجام؛ ثم نقل هذا العلم إلى مكة وتعلّمه من تعلمه وكثر في الناس وتداولوه"([1]).


([1]) الكتاب: صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، المؤلف: أحمد بن علي بن أحمد الفزاري القلقشندي ثم القاهري (المتوفى: 821هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، 3/11

فهذا النص يصرّح بأن الإعجام (النقط) كان موجوداً منذ وضع الحروف العربية، أي قبل الإسلام بزمن طويل.


2. نقوش حجرية من عصر الخلفاء الراشدين


النقوش المحفورة على الحجر في جزيرة العرب – والتي تعود إلى عهد الخلفاء عمر بن الخطاب (نقش زهير الذي في الصورة)، وعثمان بن عفان، ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم، – تظهر بوضوح وجود النقاط المميزة بين الحروف المتشابهة، مما ينفي أن تكون النقاط ابتكاراً متأخراً.


3. وثائق برديّة من مصر


تُوجد رسائل مكتوبة بالعربية على البردي في مصر، مؤرّخة بسنتي 22 و30 للهجرة

(Papyrus Berol. 15002, PERF No. 558, PER Inv. Ar. Pap. 94 وهي)

،وفيها نقاط تميز الحروف. وهذا دليل قاطع على أن النقط كان مستعمَلاً في أول عهد الإسلام، وليس بعد ثلاثة قرون كما زعم جيفري.


خلط بين أسلوب المراسلات والواقع الكتابي


ما ذكره أبو الصبي في كتابه إنما كان يتعلق بآداب المراسلات الرسمية مع الخلفاء، حيث كان الكاتب يتجنب وضع النقط والحركات تعظيماً للمرسَل إليه، وليس لأن الناس كانوا يجهلونها. وقد وثّق هذا الأمر القلقشندي في كتابه "صبح الأعشى" بنص تاريخي واضح.


الخلاصة


إن مزاعم المستشرقين بأن النقاط في المصاحف لم تظهر إلا في القرن الرابع الهجري هي معلومات مغلوطة، تعتمد على قراءة منقوصة لنصوص تاريخية، وتتجاهل الأدلة الأثرية الملموسة. على المسلمين اليوم أن يتحلوا بالوعي العلمي، وأن يردّوا على هذه الشبهات بالأدلة الدقيقة من التاريخ والآثار، حمايةً لكتاب الله من أي محاولة تشويه.